265493_2173086529358_1312631426_2598088_5605564_o السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته



قراءات في سطور المدينة المغربية 

بقلم الأستاذ علي الإدريسي (المغرب الأقصى)



في ذكرى شهداء القضية المغربية : 


ثامر و الحمامي وابن عبود

أو

يوم كان شمال أفريقيا يبغي الاتحاد


فقد المغرب الكبير في 12 دجنبر 1949 ثلاثة من كبار مناضلي الحرية والاستقلال، بسقوط الطائرة التي كانت تقلهم قرب مطار كراتشي بالباكستان، حين كانوا عائدين من مؤتمر من العاصمة الباكستانية حيث كانوا يحضرون مؤتمرا اقتصاديا بصفتهم ممثلين لحركة التحرر المغربية (المغاربية بلغة الاتحاد المعطل للدول الوطنية للمغرب الكبير).
ويتعلق الأمر بالمناضلين الحبيب ثامر من تونس، و أمحمد أحمد بن عبود من المغرب الأقصى، و علي الحمّامي من الجزائر، الذين كلل الاستشهاد نضالهم في سبيل انبعاث مغرب كبير مستقل وموحد يستمد مرجعية من يوغورطة، الذي حارب الاستعمار الروماني، ومن عبد المومن بن علي الذي أرسى قواعد دولة الموحدين، ومن منهجية محمد بن عبد الكريم الخطابي في التحرر من الاستعمار الأوروبي الحديث، ومن طموحاته في أن نصبح من صناع التاريخ وليس مجرد صنائع له.
وحين وصل خبر استشهادهم نعاهم الخطابي بنفسه. ومما جاء في ذلك النعي "أنعى إلى الأمة الإسلامية و العربية و خاصة المغرب العربي بمزيد من الأسى استشهاد ثلاثة من أخلص رجالنا و أبَرّهم بقضية الحرية التي ندافع عنها فقد أودى حادث مشؤوم بحياة شهدائنا الأبرار الدكتور الحبيب ثامر والأستاذ على الحمامي والأستاذ امحمد بن عبود"
واليوم نتساءل مع الباحثة التونسية جليلة المؤدب "كم هو عدد الذين يعرفون في تونس و الجزائر و مراكش (المغرب الأقصى) شيئا أو الشيء الكثير عن حياة هذا الثلاثي المغربي؟" ( ص 8 من رسالة جامعية للباحثة تحت عنوان "ثلاثة رموز فكرية سياسية مغربية"، قدمتها سنة 2006 في جامعة تونس، نشرها الأستاذ المشرف محمد الناصر النفزاوي في موقع "زينب النفزاوية".)
إن المتتبع للثقافة السياسية التي روجت من قبل النخب السياسية الحاكمة وحاشياتها لمرحلة ما بعد الاستعمار لن يحتاج إلى جهد كبير للبحث عن أسباب نشر ثقافة النسيان لدى أجيال "الدول الوطنية" المنبثقة عن توجهات بعض الزعامات التي ورثت هذه الدول عن الاستعمار بذهنية سياسية لم تتجاوز منطق القبيلة، والتي استهوتها غواية مظاهر السلطة؛ غواية لا نراها بعيدة عما آلت إليه نخب الأندلس ذات يوم التي وصفها شاعر أندلسي بمرارة المدرك للمخاطر المحدقة بالوجود وليس ما يقال عن تحصين الحدود: وممـا يزهدني فـي ارض أندلـس ….أسمـاء معتمـد فيهـا و معتـضد... ألقـاب مملكـة فـي غـير موضعهـا .. كـالهر يحـكي انتفاخـا صولـة الأسد.
ومن المخاطر الكبرى للألقاب والأسماء المستأسدة في مغربنا اليوم، التنكر لقيم النضال المشترك، و"الاجتهاد" في نشر ثقافة النسيان وترسيخها لمنع التواصل مع اللحظات المشرقة في مسارنا النضالي لاستعادة فعل الوجود والخروج من زمن التشتت الكؤود، والعمل على تشويه القيم الجامعة للأمة في سعيها لخلق دوافع وعوامل الانجذاب الخلاق للسير قدما لتحقيق طموحاتها إلى المساهمة الأصيلة في تقديم إضافات حضارية جديرة بما نريد أن نكون في الكون الإنساني الفاعل.
علي الحمّامي رمز للوطنية الكبرى
وكي لا تنتصر ثقافة النسيان، وتسود مناهج القبائل السياسية المعاصرة (الوطنيات الصغرى) على طموحاتنا في بناء المستقبل المشترك، سنحاول استحضار مواقف بعض الشخصيات التي نذرت نفسها لتعبيد الطريق الموصل إلى مستقبل المغرب الكبير (الوطنية الكبرى)، وإيصالها إلى الأجيال بصفتها مرجعية تعزز التوجه المشترك نحو المستقبل المنشود.
ونتناول في هذا المقال الشهيد المناضل على الحمّامي، الذي تحل ذكرى استشهاده الـ61 في 12 دجنبر. وعلي الحمّامي من مواليد تيهرت 1902 في التراب الجزائري. ومما لا شك فيه أن كثيرين من أجيال الاستقلال في أقطار المغرب لم تسمع بهذا الاسم وأسماء مناضلين آخرين قُذِف بهم إلى زوايا مظلمة من قبل ورثة الاستعمار.
عرفت حياة علي الحمّامي ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تمتد من ميلاده سنة 1902 إلى نهاية حرب التحرير الريفية التي شارك فيها. وتمتد المرحلة الثانية من 1926 إلى 1947 سنة لجوء الأمير الخطابي إلى القاهرة؛ وهي المدة التي تقلب فيها بين مختلف الانتماءات الفكرية ولاختيارات السياسية السائدة آنذاك في العالم. وتوجت تلك المرحلة بكتابة روايته الشمال إفريقية "إدريس Idris" باللغة الفرنسية؛ هذه الرواية التي سنعود إليها مستقبلا لأهميتها كشهادة على المخاضات النضالية والفكرية التي عرفها المغرب في الثلث الأول من القرن العشرين. أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة القصيرة التي قضاها في القاهرة إلى جانب الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، حيث التحق به بمجرد أن سمع باستقراره هناك. وإضافة إلى نضاله من أجل حرية شمال إفريقيا لازم الأمير الخطابي محررا مذكراته حتى استشهد مع رفاقه في النضال كما سلفت الإشارة إلى ذلك .
إن علاقة الحمّامي بحركة التحرير الريفية وعلاقته بقائدها وتخصيص جوهر روايته الشمال إفريقية "إدريس" لما كان يتفاعل في الساحة المراكشية (المغرب الأقصى) من أفكار ومناهج النهضة والانبعاث في هذا الجزء من العالم الإسلامي، ومن خيارات ومشاريع مجتمعية من أجل الانخراط مجددا في صناعة التاريخ، جعلت ـ هذه العلاقة ـ بعض من تناول سيرة الرجل ونضاله يلتبس عليه الأمر حول أصله، أهو مغربي أقصوي، بالنظر إلى محتوى روايته وعلاقته القوية بالأمير الخطابي، أم هو مغربي جزائري من تيهرت لكنه من الرعيل الأول الذي أدرك أن هذا الشمال الإفريقي "يبغي الاتحاد"، كمنهج للتحرر، وهدف لإثبات الوجود الفاعل. وقد كان ذلك أيضا من أهم منطلقات جمعية طلبة شمال إفريقيا في فرنسا التي تأسست عقب توقف حرب التحرير الريفية وجاء في ديباجة ميثاق التأسيس إن "شمال إفريقيا يشكل أرضا وأمة واحدة غير قابلة للتجزئة؛ وتبقى كذلك إلى أبد الآبدين"؟ ولا ندري إن كان هو نفسه شارك وساهم في تأسيس تلك الجمعية سنة 1927 في باريس, حيث كان يقيم ويشارك في العمل النضالي الذي كانت تقوم به الجالية الشمال إفريقية
هناك.

يشير الزعيم علال الفاسي في تأبينه لرجل إلى أنه من أب ريفي ينحدر من "جبل حمام"، الواقع في الريف الأوسط، ولد في الجزائر. لكن لا نجد أي إشارة منه إلى ذلك الجبل في روايته التي جعل موطن بطلها "جبل تيزران"، الواقع في منطقة باب برد بإقليم الشاون. وذهب البعض الآخر، وخاصة بعض الكتاب التونسيين الذين اهتموا بسيرته أكثر من غيرهم في الجزائر والمغرب، إلى أنه من جبل الحمّام بسلسلة جبال جرجرة في منطقة القبائل بالجزائر. والواقع أن ما يوجد في منطقة القبائل هو "عين الحمّام" وليس جبل الحمام، ولا نجده يشير إلى تلك المنطقة في روايته إلا نادرا، حين تحدث عم منتخبي بلدة مقلع الواقعة إلى الشمال الشرقي لعين الحمّام. في حين يسرد علينا تفاصيل دقيقة بجبل تيزران والمناطق المحاذية له وحياة ساكنتها وعاداتها وثقافتها.
نعتقد بأن الرجل لم يكن يهمه السؤال الذي أصبحنا مدمنين عليه في زمن الدول الوطنية، وهو "من أين أنت؟" فقد فضل السؤال الأهم، وهو "من أنت؟" أي ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك، إرث يوغورطة، وطن ابن تومرت وعبد المومن، وطن ابن خلدون، الممتد من السلوم إلى طنجة، الذي سعى عبد الكريم الخطابي إلى تحقيقه مجددا في مشروعه التحريري الشامل من الاستعمار، والتحرري من الزمن الهامشي للعالم. لقد كان الفعل عنده، إذن، قبل الولاء القبلي أو الوطني، حسب مفهوم الأحزاب السياسية القطرية، وما نتج عن ذلك من سلوكيات وادعاءات التفاضل والتفاخر تساوقا وتعلقا بألقـاب مملكـة فـي غـير موضعهـا .. كـالهر يحـكي انتفاخـا صولـة الأسد؛ كما كان اختلافه عميقا مع أصحاب الحل والعقد في المدن الذين لم يتجاوبوا مع حرب التحرير التي كانت الجبال تقوده، خاصة الحرب التي قادها الخطابي، التي لخصها في روايته إدريس قائلا: " الانتفاضة ،هذه المرة ، بدت حركة منظمة، لم تكن تشعر بتأثير رئيس أو أمغار عابر، وإنما برجل يعرف حق المعرفة ماذا يريد. ذلك أنه ولد في منحدرات الأرض المغربية العتيقة يوغرطة جديد. وستعيش أفريقيا الشمالية من 1921 إلى 1926 ساعات مُلْهبة." (ص 203 من ترجمة الأستاذ محمد الناصر النفزاوي، النسخة الإلكترونية). وسنعود إلى التذكير ببعض ما جاء في تلك الرواية السياسية في مقال قادم إن شاء الله.

توجه علي الحمّامي، بعد توقف حرب التحرير الريفية، للأسباب المعروفة، إلى باريس حيث قضى فيها قرابة ثلاث سنوات: من 1926 إلى 1928. وهناك اتصل مع الأمير خالد الجزائري، غير أن توجهات الأمير خالد لم تكن لتقنعه بعد الآفاق التي فتحها له الخطابي، ثم شارك في تأسيس نجم شمال إفريقيا مع مناضلين جزائريين وتونسيين ومغاربة للتعبير عن الطموحات المشتركة لأبناء شمال إفريقيا. غير أن الضبابية التي كان يجب أن يمارس بها مناضلو نجم شمال إفريقيا نضالهم تحت ظروف القمع الاستعماري، وهي نفس الظروف التي أدت إلى توقف إصدار مجلة "المغرب"، التي شارك في إصدارها لمواصلة نهج مجلة أخرى حملت نفس الاسم كانت تصدر بسويسرا من قبل المناضل التونسي علي باش حامبه، جعلته يطرق باب الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كانت شعاراته الثورية، ومواقفه الإيجابية من حرب التحرير الريفية تجذبه بقوة إليه، فشارك في البداية في نشر آرائه في جريدة (L’humanité) التابعة للحزب، قبل أن ينخرط فيه عضوا عاملا. لكن مظهر الأشياء لا تكون دائما كمخبرها؛ ووصلت به خيبته في الحزب وامتعاضه من خطابه المزدوج والمتناقض بين مظهره ومخبره، ومن دكتاتورية وسلطة أمينه العام موريس طوريز، إلى التنافر الشديد، بل إلى القطيعة بعد أن تشابك معه بالأيدي.

كان يمكن أن تكون نهاية حياته في ذلك الظرف من قبل الحزب الشيوعي نفسه، أو بواسطة الوشاية به للبوليس الفرنسي، لولا تدخل قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي، فاستُقدِم إلى موسكو ليكلفه ستالين بمهمة " منسق أعمال الفلاحين في العالم"، وأقام هناك حوالي ثلاث سنوات من 1928 إلى 1930، ثم غادر موسكو بعد أن تيقن بأن مبتغاه لا يوجد هناك، خاصة وهو المتشرب بالنزعة الخطابية.

كانت وجهته هذه المرة سويسرا حيث مقر أحد كبار زعماء القومية العربية الإسلامية شكيب أرسلان عله يجد لديه ما لم يعثر عليه في باريس وفي موسكو. فقد كان يبحث عن الطريق المتممة لما بدأه"أمغار أجدير"، وكسر ذلك الصمت الذي لف المغرب من جديد بعد أن تكالبت عليه "القوى المشتركة، قوة المدفع والدبابة والطائرة والحصار." (ما بين مزدوجتين اقتباس من رواية إدريس) إلا أنه ربما تفاجأ بحقيقة ذلك الزعيم حين اكتشف أنه في كثير من الحالات: "أن تسمع عن الشخص أفضل من أن تراه". خاصة أن الذهنية المغربية معروفة بميلها إلى العمل أكثر من انخراطها في تشقيق الكلام والتفاخر بالقدرة إلقاء الخطب والبيانات والمجادلات.

وكان زمن الحمّامي يتجاوز كثيرا زمن الخطب المنبرية والدعوات الإصلاحية والنضال القائم على لغة البيانات الاستنكارية للأفعال الاستعمارية، فغادر سويسرا إلى ألمانيا، حيث ساهم في بناء مسجد برلين، واستمر مقامه هناك وسط الجالية العربية معرِّفين الألمان بقضايا أوطانهم، غير أن تصاعد المد النازي جعله يغادر ألمانيا متخذا وجهة الحجاز منبع الإسلام، خاصة بعد قيام الدولة السعودية الجديدة على يدي الملك عبد العزيز آل سعود، المدعوم بالمذهب الوهابي، الذي اعتبر يومذاك الطريق إلى تخليص الإسلام من الشوائب التي علقت به نتيجة عصور من التخلف عن الفعل التاريخي والوجود الحضاري. لكنه بمجرد أن وطأت قدماه أرض جدة أدرك أن ما يقال عن المذهب ليس ما يقدمه على أرض الواقع، حين لخص المذهب الوهابي بقوله: "ولكن الوهابية، والحق يقال، ليست إلا مجرّد حالة نفسية عكسها تعصّب وُلِد في بيئة قبليّة عبّر عن أكثر ما فيها من غريزيّة وبدائيّة وابتذال." (ص 76 من "إدريس"، مرجع سابق)، ولاحظ أن أخلاق أهل تلك البلاد تتسم بكثير من الطمع والجشع واعتبار القاصدين حج بيت الله الحرام مجرد صيد لهم جادت به الأماكن المقدسة عليهم؛ لأن سلوكهم لا يقل انحطاطا عما وصفه ابن جبير في رحلته خلال القرن الثاني عشر الميلادي، التي تمنى فيها وصول الموحدين إلى تلك الأرض لنشر أخلاق الإسلام الحقيقية.

أصيب الحمّامي إذن بالإحباط، فغادر إلى العراق وعاش هناك من 1937 إلى 1947 في رعاية ملك العراق فيصل الأول ممتهنا وظيفة أستاذ للغة الفرنسية والحضارة الإسلامية في بغداد. وهناك، وبين الفترة الممتدة من دجنبر 1941 ويوليوز 1942 كتب روايته الشمال إفريقية "إدريس"، التي سنعود إلى محاولة تحيين مضمونها وقراءة رموزها في مقال لاحق، أن شاء الله، وأهداها إلى الأمير الخطابي. وقد التحق هو نفسه بالأمير بمجرد استقراره في مصر.

وإذا استعنا بشيء من الخيال التمثيلي نستطيع القول: "إن رحلة علي الحمامي في حياته النضالية والفكرية والسياسية أشبه بالنهر الذي ينبع من قمم الجبال ثم يحفر فيها الأخاديد والوهاد ليكتسح الهضاب ويقطع المفازي. وهو في غربته تلك يحطم الحدود ولا يخشى وحشة الأدغال والغابات، لكنه إلى أصله يعود؛ وكذلك فعل الشهيد على الحمّامي الذي انطلق من الجبل الذي صمتت فيه مدافع الحرية مخترقا كل أنواع الحدود الجغرافية والسياسية والأيديولوجية والمذهبية، لكنه لم يستقر إلا عند شاطئه. ولم يكن ذلك الشاطئ غير الأمير الخطابي حين استقر في القاهرة، فقصده مهديا له روايته، ومناضلا إلى جانبه من أجل تحرير كل الشمال الإفريقي، تتمة لرسالة يوغرطة ولأمجاد ابن تومرت، حتى وافاه أجله في سقوط الطائرة الباكستانية قرب مطار كاراتشي في 12 دجنبر 1947. فرحم الله شهداء الحرية والوطنية الكبرى.