ادريس رواية شمال أفريقية / تعريب محمد الناصر النفزاوي (٨)

الدكتور محمد الناصر النفزاوي
تــــــــــــــــولّـد

P1080202

في الجنوب ترتفع قمة تيزران التي يعلوها طوق من شجر الأرز يرقى عمره إلى آلاف السنين. هذا المشهد جميعه يكوّن ضربا من القباب تتلون في الفجر الوليد بلون أدفاق نور أرجوانية. أما في المساء، فإن الغسق يحلّيها بوفرة في الألوان بدءا من اللاّزوردي وصولا إلى الوردي الباهت. إنه لبلد عجيب والليل فيه ليل إلهي. فلم يحدث في زمن ما وتحت أية سماء أن كانت قبة السماء أكثر مما هي عليه هنا صفاء أو كان الفضاء في جلاله أكثر مهابة. فلكأنّ القمر اختار أن يتخذ منها منزلا إذ يظهر سحره في منتهى السخاءعندما ينشر أشعّةَ نوِره وبسماته في قنن جبال الأطلس. ولهذا السبب، ما من شك في ذلك، كان البربري القديم يرى في ذيل جونون إلاها خيّرا يعبده ويخشاه من دون أن تكون له معرفة به. وفي أشهر الصيف التي يغيب عنها القمر ويطهّر النسيم المنعش الآتي من المرتفعات الجوّ من فوحان القيظ الذي رسب فيها نهارا ويلذّ للفكر، وقد تحرر من غمّ الحياة اليومية، أن يهيم في ثنايا هذه الخفايا، يعتقد الفكر، إن صدقناه، أن لا وجود في الأرض لسماوات بمثل هذا البهاء وهذه الحمية. وللشتاء أفضاله أيضا. فعندما يَخْطِمُ الثلج الذُّرَى بطلائه يبهو الجبل بهاء يعتقد معه المزارع أن في إمكانه أن يدرك فيه لا أدري أيّ ضرب من ضروب الانتشاء بمجد عابر.

وفي الأعلى يحيط وشاح أبيض الغاباِت بثنياته الدائرية التي تنفلت منها هنا وهناك مَطْرَات زُمُرُّدية رَيْحانية تتقزّح في الأطراف وتتنامى فتنة الألوان عند المنحدر والممرّات في سَبْكة لامعة. حتى إذا ما انضاف إلى ذلك البرد القارس جدا لم يعد في مستطاع الكَفَن الواسع الناصع البياض ألاّ ينفذ إلى أعماق الفظّ الغليظ من الناس يدربه على سحر شبيه بهذا السحر.

أما في الجنوب والشرق فهناك الساحل الذي تتكاثر على طول شاطئه من تطوان إلى مليلة الجُوَينات والخُلجان والجزر الصغيرة التي تشرف عليها الجبال المزيّنة بالبلّوط والعوسج والمُصْطَكَّا. ويتسلل عدد من الأعِقّة التي تخترقها أودية ذات تحاريق ضحلة بين جدران الجبال النضيدة مثل الحُنشان بين قصب مأسلة. وتشق أنهار مارتين ولاو وتيقيساس والمثل وأورينقا والنكور هذه السبحة بأوهد يزرع فيها المزارع شعيره وخَضْرَاوَاته في حين ترعى أمعُزُه الشّوك الذي ينبت بين باقات الصبَر والدفلى.

هذه الخيوط المتقلبة مثل الرياح التي تهب على المرتفعات إنما هي شقيقات كل وديان وأنهر أفريقيا الشمالية. إنها، وإن بحجم أصغر، السبو والشلف ومجردة. وهي، تماما مثل روح المزارع المحارب الذي تسقي أراضيه، تنتقل فجأة من حالة الساقية البسيطة التي تنقل مياهها الوحلة بين الحصى الملساء في مجرى بلا ماء إلى حالة سيل تضطرب فيه الأمواج المزبدة التي كونتها أمطار الربيع وذوبان الثلوج. وفي مصب كل نهر ما زالت أبراج عسّةٍ تقع على تلال منكمشة عن الشاطئ أقامها البرتغاليون قديما تنصب أطلالها المتداعية وتذكّر عابر السبيل بشبح ذكرى عن التاريخ الماريني.

وبين الجبال والبحر تلتف رَمْلَةٌ ساحلية بَزَرت فيها كَوْمات من الطحالب والصدفات حول قرى من الحجر والقشّ يسكنها صيّادون ومهرّبون ينحدرون من قراصنة الأمس. وبالقرب منها قوارب وجِذعيات شدتها القلوس إلى اليابسة فتأتيها الأمواج لتموت في هدوء. وينتهي الموج الصاخب غالبا في شكل هدير لا يكاد يتميز عن هزيج الغابات المجاورة. أما العواصف فهي نادرة. كما أن هناك قلة من الحشفيات والصخور. ولا يلاقي المرء مَكْسَرات الموج في غير المناطق البحرية وأجوليات الريف.

وتؤبد قاع أسراس وتيقيساس ومثال ومستاسا وجزيرات فيليز والحسيماء أسماء قديمة تبدو كأنها تتوارى نهائيا في النسيان. أما الشمال فهو امتداد للجبل. إنه الأرض الأم وهو الوطن الصغير الذي تتكون فيه وتنحل من دون تغيير يذكر منذ العصور الإنسانية الأكثر إيغالا في الماضي أجيال خشنة. وهو المصعد إلى جبل العلم، أحد ذرى البلد. وهنا، وفي أبعد نقطة يرقد في ضريح قديم ذي مَنْوَرَاتٍ تتخللها قضبان حديدية في نعش مُنَجَّدٍ بديباج مزين بالزخارف مولاي عبد السلام، جد السكان الذي يطلق اسمه على المكان. وقد شكلت غابة صغيرة من العَفْصِيَات ذات الورق المائل إلى الزرقة ما يشبه السور المقدس المهيأ لاستقبال قبور المفرطين في التقوى ممّن ماتوا محاطين بهالة من القداسة. وتحيط بالمكان من كل جهة مقبرة ذات مظهر ريفي تبدي زهدا متعمدا يلائم ما تقتضيه العادات القديمة التي فرضتها على الإسلام خرافات الورعين.

إن البصر ليمتدّ بعيدا جدا من جبل العلم الذي يمكن للمرء أن يلقي منه نظرة إعجاب في أكتوبر أثناء فصل الحرث بدوران عقبان الأطلس الرمادية وهي تترصّد طيران الزيغان الباحثة عن مرعى. ويتبين المرء بسهولة عندما يكون الجو صاحيا خط الروابي التي حفر هرقل بينها المضيق الذي وصل، وهو يفصل قارتين، بحرين وفتح المحيط على غارات الأسطول المستمرة المنتصرة في نهاية المطاف. ومن حافة المضيق حيث يمكن للمرء أن يتنبأ بطنجة التي يحجبها عن النظر بوهاشم، الشبيه في تجعّده بظهر الضبع والذي يخيّله الهُدْبُ اللازوردي الملتصق بصخرة جبل طارق، يمثّل جبل العلم مرصدا تمتزج فيه الإستراتيجيا بالجمال والصمت الباعثين على التأمّل فلا يسعه أن يدفع عنه إحساسا كئيبا بحسد قديس الجبل الذي يرقد في سكينة مطمئنة والذي يبدو أنه يشرف من جبل أولمب مثل هذا على مباراة المياه المتلاطمة التي تندفع هاجمة على الشاطئ قبل أن تختلط بمياه البحر. وهناك، في الشرق، صفّ الذرى المتصلة المكسوة اخضرارا داكنا. وفيها تتنضّد في غزارة استوائية دغال التجأت إليها آخر أصناف الخنزير والشيهم. إن التدرَج والحجل ودجاجة الأرض والسُّمْنَة واليمامة تغزر في هذا المكان. وكذلك الأرنب. إن البلد فقير ولو أن الحياة فيه أكثر حفاوة نسبيّا مما هي عليه في الريف المجاور. ولا ينتج الجزء الشمالي من الجبل وهو أكثر وعورة وتعرضا لفعل التيّارات الباردة التي تتدفق من الشمال، كثير شيء. والعنب والتين يعطيان ثمارهما في الخريف. وهي تمثل، بعد أن تجفف، جزءا هاما من غذاء المزارع. إن هذا تقريبا هو كل ما يمكن للبستان أن ينتج. أما زراعة البقول فهي تقتصر على البصل واللفت والكُرمب والجُلبان والفول. وهذان البقلان الأخيران خاصة يدخلان، بعد أن يجففا ويُجَرَّشا، إضافة إلى الزيت وإلى توابل معينة. في إعداد الصحن الوطني: البيسار.

أما الزيتون، فلا يعثر عليه المرء إلا في قبائل ما وراء جبل تيزران، وهو، في هذه الحالة عبارة عن غابات حقيقية تنمو على جبال تتجه تخطِّيا نحو وديان ورغة وإيناون الخصبة. والغلال والخضراوات على اختلاف أصنافها تبدأ هنا في التكاثر. والطبيعة هنا مضيافة والمناخ أقلّ تعرّضا لقسوة تقلّب الجو. وبظهور الزيتون ظهر الحصان والخروف. ومن البداية تعلن قطعان مواش مسنة في مراع ذات عشب غزير طريّ عن اقتراب مناطق الرخاء. إن الأسواق في هذه المناطق أكثر نفاقا والمبادلات التي تخطت القاعدة المشتركة بين سكان الشمال التي يفرضها الاقتصار على الضروري بدأت تشمل المكمّلات وحتى غير الضروري. في هذا الإطار الجدير بمحاورة ريفية تتنزل المرحلة الأولى من مراحل حياة إدريس.

*
* *

تنحدر عائلة إدريس منذ آلاف السنين من هذه الجماعات البربرية الأولى التي لا أحد الآن يعرف لا من أين أتت ولا كيف جاءت لتستقر في هذه الزاوية من المغرب. فمنذ عصور سحيقة سابقة على الفتح الإسلامي ظل الجبل، باستثناء بعض الأماكن الساحلية، مغلقا إغلاقا تاما في وجه كل دخيل أجنبي. ولم تجرؤ أية أمة فاتحة على النّيل منه. فلقد كان المزارع يراقب بانتباه من شِغَاف أبواب هرقل المتقدمة منافذ أرضه. وكان غالبا ما يغير بدوره على متن قَوَادِسَ شراعيّة صغيرة على سواحل إيبيريا.

وما من شكّ في أن أجداد إدريس عرفوا ثلاثيّات المقاذيف القرطاجية عندما كانت تزوّدهم من قرطاج التي سمعوا عنها العجائب بِحِزَمِ بضائع كان يبيعها بالمُفَرَّقِ تجار مهرة ذوو لِحىً مضفورة في محلات صغيرة مسّورة استأجروها. كانوا، تماما مثلما يدهش الجبلي المتسكّع في أسواق فاس اليوم لرنين اللّهجات الأجنبية، يدهشون لسماع لغة ذات مسحة شاذة نوعا ما. و لكنهم بعد ذلك سيكتشفون بواسطة المترجمين البرابرة الذين كانوا يرافقون التجار القرطاجيّين أسرار هذا اللسان الذي كان يفوق لسانهم تطورا، علاوة على أنه كان قابلا للقراءة على البَرْدِيّ بواسطة رموز صغيرة لم يكونوا يفهمونها. كما أنه لا شكّ في أن أجداد إدريس تردّدوا على الوكالات التجارية المبثوثة على الساحل في المواقع نفسها التي تقوم فيها في أيامنا هذه أهم مرافئ مراكش.

لقد تعوّدوا سريعا على سياسة قرطاج التجارية التي كانوا يستحسنون أخلاقها السلميّة وعزوفها عن كل نزعة عدوانية عنيفة. وبما أن البربري كان ينزّل العرق منزلة الدين فهو لم يشعر في بداية الأمر إزاء الفنيقيين المستفرقين إلا بنوع من التعاطف المستسلم. غير أن قادة البربر الأكبر والأكثر فطنة والذين تمكنوا في الشرق من تأسيس إمارة تتجاوز مستوى القبيلة التقليدي وتمدّنوا شيئا ما عند اتصالهم بمدينة القضاة (1)كانوا يدفعونهم من جهة أخرى إلى الحدّ من تحفظهم إزاء أبناء عمومتهم المشارقة. في هذه الفترة كان البربري قد بقي على الهيئة التي شكّلته عليها الطبيعة في بداية تكوّن المجموعات الإنسانية الأولى. كان يعيش عيش القبيلة وسواء أكان حضريا أم بدويا ،مزارعا أم راعيا، فإنه لم يستقر في الأرض إلا نادرا. هو لا يمكن أن يكون قد عرف الجمل، وسيلة حياة التيه ورمزها. ولكن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد أن ثروات البلاد المتنوعة لم تكن لتغريه إغراء يبلغ حدّ دفعه إلى إنشاء حضارة شبيهة بالحضارات المزدهرة في آسيا وفي أفريقيا. لقد سبق، عندما بدأت قرطاج حربها على روما، أن اختفت حضارات عظيمة أو كانت في طور الأفول ذلك أن سومر وعيلام وأشوريا و البَابِلَيْن و ميديا وسلالات طيبة وممفيس لم تعد غير أساطير مجيدة. حقا لقد كانت مدن أتيكا تبرز من قوقعة هيلاد ولكن بلاد البربر بقيت على حالتها الأولى.

والبربري الذي هو فردي رغم خضوعه لقوانين العشيرة وفوضوي مزاجا وسجية كذلك ومتعلق بالحرية حتى أنه ليفضّل بسببها مخاطر الحياة البدائية على الوفرة وعلى أمن المجتمعات المنظمة، ظل يعيش حتى ظهور الإسلام من دون نظام ومرتبيّة. هذا طبعا على وجه العموم. هو وثنيّ لم يحدث له أن يؤمن حقا بأي شيء ولا أن يخشى أيّا كان. وهو طبيعي في غير وضوح، متفرج غير مكترث على الظواهر التي تحيط به، مندفع حذر لم تتمكن حياته الدينية البتّة من أن تتجسد في نسق منتظم ولو قليلا. وإذا كان قد تقرّب إلى الأوثان بالأضاحي أو عبد صورا من الطبيعة فإن يقينه لم يكن على رسوخ يمكّن علم الأثريات المعاصر من أن يمدّنا بشواهد ملموسة على تقواه. ومع ذلك فإنه يبدو أنه قد تبنّى رموز قرطاج وقدّم البخور تحت الأَرْدِيَة التي كانت تقي جذعي تمثالي بعل وتانيت. وهذا في حدّ ذاته كان أمرا ذا شأن.

وفي الزمن الذي نحن بصدده كانت حالة تشنج تهزّ بلاد المغرب هزّا. وكان أجداد إدريس على الرغم من أنهم لا ينتسبون إلى سيفاكس وإلى ماسنيسا ، أميري نوميديا البربريين المتشيّعين للسياسة البونيقية، يمجّدونهما، تعصّبا دمويّا، ويميلون إلى عقد حلف تضامن أفريقي يصدّ كل خطر أجنبي ممكن.

لقد حدث هذا بعد انتفاضة المرتزقة التي قمعها هاملكار بيديْن من حديد فتأثر لذلك البربر أيما تأثر.

لقد كان الجيش البونيقي من حيث التجنيد والعدد والإطارات والسلك الإداري الثانوي بربريا وكذلك رؤساء الخيالة والمستخدمون في قذف المنجنيق وفي قيادة جماعات الفيلة. وعلى عهد بركة العائلة الأكثر تأفْرُقًا في الطبقات الأوليغارشية القرطاجية كان الأسطول المكوّن من نوتيّة وقع تخيّرهم بعناية من ضمن العناصر الصافية في السلالة الفينيقية يستقبل، هو نفسه، وحدات لا يستهان بها من الأمازيغ.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يمارس فيها البربر نشاطا في البحر.

لقد انتهت الحرب البونيقية الأولى بمضرّة قرطاج فخسرت صقلية. وكان الشعور بالخيبات العسكرية البحرية يفسد حياة القرطاجيين الذين كانوا يتوجّسون خيفة من إمكانية مشاهدة هجمة رومانية على أي كان من مناطق المغرب في أيّة لحظة.

كان أجداد إدريس، شأنهم في ذلك شأن الآخرين، يحسّون بحالة الخوف الجماعي هذه. وعلى الرغم من أنهم كانوا بعيدين فقد شاطروهم أيضا هذه الرغبة التي لا حدّ لها في ردّ الفعل.

ولقد كان ثمة قرطاجيّ شاب في الثالثة والعشرين من العمر أدهش شعبه بجرأته ونفوذه ونبوغه المبكّر. إنه ابن هاملكار. لقد رافق، وهو طفل تماما، أباه في حملات عسكرية كثيرة قادها ضدّ روما. ولقد أشرب، في المهد، الحقد على الاسم الروماني وأقسم على جذع بالاديوم الآلهة السامية أمام كبار كهنة بعل المُرْتَدِين اللباس الطقسي الحاملين على طبق من ذهب الأردية بعد أن نزعوها مؤقتا عن كتفي تانيت، أن يدمّر رومة وأن يبقي المتوسط في حفظ المغرب وحده.لقد دخل حنبعل مسرح الأحداث. ولأول مرة حدث أن غمر أجداد إدريس إحساس غير معهود، قبل ذلك، عند قبائل بلاد البربر.

إن الحرب البونيقية الثانية كانت ترجمة للوطنية الكامنة في القبائل الشمال أفريقية التي اتخذت هيئة تيار قومي أكيد فسارعت جموع القبائل المغربية ترفع راية الحرب القرطاجية. كذلك، ولأول مرة، حدث أن تركزت آمال المغرب حول شخصية بطل قومي وأي بطل ! وعندما وصلت الخيّالة النوميدية التي تتقدّم الحملة إلى المغرب الأقصى كانت القبائل في حالة غليان: كان التجنيد على أشدّه. ولقد تملّكت جدّ إدريس، وهو المحارب الذي لا مثيل له المتدرّب على الحرب الجبلية المصارع ذو العضلات الفولاذية، فورة فرح لن تشبهها إلا فورة الفرح التي ستتملك، فيما بعد، أحفاده وهم يندفعون تحت راية الإسلام، هذه المرة، للفتح سالكين خطوط السّير نفسها تقريبا.

لقد جاز البربر المضيق بسرعة تحميهم القوادس البونيقية الجائلة في البحر. وسرعان ما تتالت، بلا انقطاع، أخبار ألهبت مشاعر جماهير شمال أفريقيا. ورفع البربري الذي كان منذ قليل متمردا على كلّ شكل من أشكال الخضوع، وقد طار حماسة، حنبعل إلى منزلة إله يخصّه بجُشْوَاتٍ(1) تنتصب في أفريقيا الشمالية من أدناها إلى أقصاها. وهكذا سمع الناس باحتلال ساغونت وبهروب بول إميل خشية من طعنات الرمّاحين النوميديين. وسقطت البيريني ووقع اجتياح بلاد الغال الجنوبيّة من دون مقاومة. واتجهت غنائم هائلة وقوافل من الأسرى صوب أفريقيا. وكان يرى جنود يروون، إثر عودتهم من أوروبا، للحشود المذهولة، مآثر أبناء جلدتهم وهزيمة الجحافل الرومانية. لقد زيّنت العقبان التي وقع الاستيلاء عليها في ساحات الوغى المعابد المكرسة لعبادة مولوخ(2).
ومع ذلك وجب التحفظ. ذلك أن جبالا أعلى من تيزران لا مداخل إليها يجلّلها الثلج وتوشّحها َجْلَدَاتٌ تخطف البصر كانت تمنع المرور على الجيوش الأفريقية المعتادة على الحركة في أماكن أكثر خلوّا من الموانع. وكان الوقت يمرّ.

بدأ أجداد إدريس ممّن تربطهم قرابة بالجنود المحاربين في أوروبا يغتمّون. لقد تناقصت الأخبار. وكانت تعليمات البونيقي العظيم المحتاج إلى كل أفراد جيشه تلزم إلزاما صارما الجنود بالبقاء في الجيش. ولكن أنباء أخرى وصلت فنشرت الجذل في أفريقيا. لقد استولت الأرتال الطائرة التي تتقدمها الفيلة عَنْوة على جبال الألب بقيادة هسدريبال. وكان الجيش يلتحق بها عبر الممرات الضيقة في سلسلة الجبال الهائلة. ثم توضحت الأخبار بدقة.

لقد اندفع الجيش المغربي كالإعصار في وادي بو واجتاح لمبارديا وفاجأ العدوّ الذي لم يكن يتوقع مثل هذه الجسارة، من الخلف.

عرف المغرب على هذا الشكل انتصارات ترازيمين و تريبي حيث فوجئ فلامينيوس نيبوس، القنصلُ الذي كان موضع ثقة مجلس الشيوخ الروماني، وهزم وقتل. لقد أطلقت روما، وقد استولى عليها الهلع، صرختها “إن حنبعل على الأبواب “(1) التي شابهت “رقصة المذبوح”(2). وأخيرا، عرف المغرب كان حيث سقطت التشكيلة المربعة الأخيرة في الجحفل تحت ضربات السيف الأفريقي. لقد تملكت البهجة بلاد البربر. فيا له من نصر رائع ! إنه انتصار فنّ الحرب الكامل الذي سيصبح التخطيط فيه والتنسيق الفذّ بين الاستراتيجيا والتكتيك مثالا يحتذيه كبار قادة التاريخ. إن فريدريك الثاني ونابليون ومولتكو وشليفن ولودندورف سيصوغون، فيما بعد، خططهم القتالية ولكنهم سيقتدون بحنبعل وبمناورته العظيمة في كان لقيادة جيوشهم إلى النصر. غير أن الأخبار بدأت تتباعد ولم يعد في مقدور أحد أن يعرف ما الذي كان يحدث في كابو التي تحولت إلى خمارة سيبير أنهى فيها أسود أفريقيا، نتيجة تخطيط واحد مثل فابيوس كونكتاتور، مهمتهم في أحضان نساء روما الجميلات اللائي قبلن، وطنية منهن، بدور العاهرات. ثم وصل خبر رسوّ الأسطول الروماني في أفريقيا وتبعه خبر طلب عودة حنبعل بسبب ردة ماسينيسا. لقد كان لنكبة جاما دوي مفجع ردّدته أصداء الجبل الصائتة. ثم مرّ زمن بين انتصار سيبيون وتدمير قرطاج. ولكنه بتحقق أمنية كاتون (3)خبر البربر نير العبودية. مرت ثمانية قرون رأت فيها عيون أجداد إدريس المندهشة مثلما يرى المرء دوران الظلال من خلال بلورة مشكال أحداثا كثيرة لم يشاركوا فيها.

لقد حكمت روما ثم ببيزنطة أفريقيا الشمالية بطريقة احتفالية: شيوخ يجلسون على كراسي من عاج وقياصرة يكلل الغار جباههم وأباطرة مدثّرون بألبستهم القرمزية الإلهية يحملون في أيديهم صولجان العالم.

لقد لمع سيبيون وماريوس وسيلا وقيصر وأوغست في ذلك لمعانا ساطعا سريعا ونالت رومة في أفريقيا كل ما شاءت: المدن ومقار السلطة وأقواس النصر والمسارح وحلبات المصارعة والمعابد والحمامات المعدنية والقنوات المائية والثكنات والآثار التذكارية والتماثيل، أي نالت كل ما يمكن للحجر في نهاية الأمر أن يهب. ولكنها لم تنل شيئا آخر. فسياستها لم تكن من هذه السياسات التي يمكنها أن تجلب إليها قلب البربري. لقد صيغت القوانين الرومانية صياغة تمكن المستوطنين من اقتطاع العزب بالاستحواذ على أراضي المواطن الأصيل بغية ضمان ما يحتاجه الشعب- الملك من خبز ومن ألعاب سيرك حتى لا يبدي أنيابه لطبقة الأشراف التي ولدت على أنقاض وعلى شقاء الأجناس المستعبدة.

إنه ما سينقشه فرجيل في مدخل المدينة الخالدة:

“انك أيتها الأمبراطوريّة الرومانية ستحكمين الشعوب دهرًا ! (1) إن هذا، تقريبا، هو كل ما أمكن لأجداد إدريس أن يحصلوا عليه من السلم الرومانية. غير أن سقوط قرطاج لن يفتّ في عضد البربر إذ تسلم بطل قومي العلم الذي انفلت من الأيدي القرطاجية. وبرز يوغرطة في الميدان مستعملا وسائل نضال جديدة. كان حينا يحارب فيالق ماريوس ويهزمها وكان حينا آخر يلجأ، عندما تحتم الظروف ذلك، إلى ما تتيحه دبلوماسية فائقة. وانتهت به براعته في الجدل ومعرفته بالأخلاق الرومانية إلى تكوين حزب في قلب مجلس الشيوخ مرتبط به مصالح وفي أغلب الأحيان مجدا.

لقد روى ذلك ساللوست في تاريخه المدهش. إنه ما من شك في أن أجداد إدريس الذين كانت تتملكهم الدهشة والمفاجأة في آن واحد قد سمعوا كلمات الاحتقار التي وجهها القائد النوميدي الكبير صوب روما من أعلى ربوة الجانيكول بعد أن جلب إلى صفه مجلس الشيوخ بالثمن المتفق عليه وبعد أن فضح مكائد مبعوث الوالي:

“أيتها المدينة القذرة كل شيء فيك يباع”.

لقد بنيت المدينة الخالدة، بحق، على أسس من الفساد والجبن. وعندما كبر إدريس وفهم معنى الأشياء عن طريق دروس التاريخ سرعان ما تفطن إلى الأسباب التي تدفع كل أشباه لويس برتران(2) في الأرض إلى أن يمجّدوا، في الوقت الذين يشوّهون فيه تشويها منظما صورة الشرق، حضارة فاجأ سقوطها العمودي الكثيرين أكثر مما فاجأهم ترقيها وألقُها العابثان. لقد فهم إدريس لم لم يحرك التألق والعظمة الرومانيان في البربري ساكنا فلم يكترث بهما.

إن الثقافة اللاتينية لم تكن لتلامس إلا نفرا قليلا في أجزاء صغيرة منعزلة من السكان البربر الذين بقوا في غالبيتهم رافضين كل محاولة إدماج. إن جبال خِمِّّيٍر(1) والأوراس وجرجرة والشلف بقيت صامدة لا تتزعزع. فلا جوبيتير ولا المسيحية لقيا فيها موطنا يعتدّ به.
كان أجداد إدريس يميّزون، ضمن الأرومة المدمجة، بين صنفين جدّ متناقضين.

لقد ظل الصنف الغالب عددا متشبّثا بأفريقيته وذلك على الرغم من أن عددا من أفراده تمكن من تقلد المناصب العالية. فسيبتيم سيفير، إمبراطور تشريع الشغل(2) المنصف لم يكفّ، وهو يعيش في القصور الرومانية الفاخرة عن تذكّر ليبتيس(3)، مسقط رأسه. ولم يتمكن أريج أيك نهر التيبر من أن يسلّيه عن الواحات ذات الشذا البري التي كانت مسرح ألعابه أيام الصبا.

لقد كانت أفريقيا، بتولّيه، تبسط على روما يدا طالب كاتون سابقا ببترها. أما كَارَكَلا فقد فاق أباه تجديدا جريئا إذ فرض على الرومانيين إقامة الشعائر لحنبعل وأمر بتشييد نصب نصفيّة للمنتصر في كان يؤدي تحتها الكهنة الشعائر القربانية.

ويوجد صنف آخر لا تتّسع له صدور أجداد إدريس بوجه خاص. إنه صنف المرتدّين وأدوات التصفية القومية الذين تخلّوا، بعد أن وقع إدماجهم ولتينتهم ثم تنصيرهم، عن بلد آبائهم وقطعوا رابطة الدم. والقديس أوغستين و يوبا هما نموذجا هذا الفصيل. فلقد دار أسقف عنابة (4) في مدار يختلف عن مداره الأصلي. وقد هيأته أرثوذوكسيته وإخلاصه لمبادئ دين أفقده مريدو الهيلينية والعقيدة اللاتينية طابعه الشرقي إلى حد أصبح البربري غير قادر على استيعابه، هيأته أرثو ذو كسيته قلنا، لمثل هذه الردة. على أنه ليس تنصّر ابن القديسة مونيك هو ما أفقد القديس أوغستين شعبيته في أعين مواطنيه ولكن رُومِيته المبالغ فيها وحماس حداثة تنصّره واندفاع المبشر. فهذه العوامل هي التي قادته إلى أن يفضل مغتصبي بلده على إخوته في الدم وعرضته للشبهة في عيون أهله. إن هذا الذي كتب مدينة الله قد ابتدأ بنسيان مدينته.

وقبل القديس أوغستين ظنّ يوبا الذي نصبته روما أميرا على موريطانيا القيصرية(1) أن في إمكانه أيضا أن يبهر أسياده باستعراض ثقافة مفرطة في التهذيب لم يحقق له قطعا مزيدا من التقدير. لقد كان متزوجا من أميرة مشرقية ولدت من علاقة حب درامية بين مارك أنطوان وكليوباترة. وقد تبناه أوغست وربّاه فكان يقلد تقليدا أخرق أبهته القيصرية وكان أن تكدّست على رأسه اللعنات والشتائم.

كان أجداد إدريس، وهم الذين تعوّدوا على الحياة الحرة المستقلة، يراقبون عن كثب تتابع الأحداث التي يعرفون كيف يقيّمون أهميتها. ولم يكن الإسلام قد ظهر فيرسم خطّا فاصلا بين ماض متقلب ومستقبل أكثر تقلبا ولكنه سيحجب العصور السابقة بحجاب من النسيان كثيف. ومهما كانت أزمنة ما قبل الإسلام مظلمة فإنها، مع ذلك، بقيت منقوشة في ذاكرة البربر. ذلك أن البربري إذا كان قد أجلّ أسماء حنبعل ويوغرطة، بطلي الحريات الوطنية، وإذا كان قد نظر بعين مسلّية ولكنها متعاطفة، إلى قرارات واحد مثل سبتيم سيفير المزاجيّة وإلى مبادرات كَارَكَلا الجريئة فإنه، وعلى العكس من ذلك، لا أحد سمح لنفسه بأن ينخدع بطعم شروح القديس أوغستين العالمة وهو الذي شارك من حيث أراد الارتقاء من الوطني إلى العالمي، أعداء وطنه ذاته مصالحه.
أما فيما يتعلق بـيوبا فقد رمى به البربر ببساطة لا مزيد عليها في الحرّاق.

كانت المسيحية تنتشر في العالم. ولقد وجدت هذه المجموعة من المعتقدات التي انبجست من قلب راع من الجليل البعيد في الفوضى الاجتماعية التي مثّلت أساس البناء الروماني ميدانا مذهلا للعمل. ولكن الفترة البطولية، فترة سراديب الأموات(2)، مرّت وانتهى الصليب الى التغلب على كل العوائق. فلا جنون نيرون الدّموي ولا تفنيد واحد مثل مارك أوريل الفلسفي تمكّنا من أن يظهرا على فكرة تتضمن في جوهرها شذرة من هذه العدالة الثابتة التي يعثر عليها المرء في كلّ مكان وعلى الدوام عندما يظهر أن القوة انتصرت على الحق.

لقد تكونت الكنيسة في كنف قسطنتين. غير أنه وجد إكليروس كان يتنزل منزلة الواسطة بين الله والشعب. وولدت الإمبراطورية البيزنطية باضطراباتها التي لم تستطع أن تضع لها حدا. كان الروحي ينحني للدنيوي وكان ملاذ هذا العالم، منذ ذلك الوقت فصاعدا، مقدّما على ملاذ العالم الآخر. ولم يعد أمراء الكنيسة غير بارونات الإمبراطورية. أما الرقّ الذي كان تحريمه هو الغاية الاجتماعية من المسيحية فقد استعاد، وقد بدا أن الحقيقة أصبحت لبسا، كامل قواه مثلما كان عليه الشأن في عزّ أيام تيبروس. ولقد كانت كنيسة أفريقيا من هذا النمط. إن بربر المقاطعات الرومانية الخاضعين، هؤلاء الذين أملوا أن يروا في نجاح العقيدة الجديدة وسيلة للانعتاق من الرق الذي فرضته روما الوثنية عليهم، سرعان ما ثابوا إلى رشدهم وظهرت لهم الخيبة، بعد أن تبدّد السّراب، في تمام مرارتها. لقد بدا أن روح غولغوتا (1) تعادل روح الـكابتول.

في هذا الوقت بالذات ظهر دونات. ينتمي دونات، أسقف قرطاج، على الرغم من انشقاقه، إلى كنيسة أفريقيا. كان مثل القديس أوغستين بربريا. ولكنه، خلافا لأب الكنيسة الشهير، لم يرتدّ عن أصوله ولم تمنعه صفة وظيفته الكهنوتيّة من تمييز الفروق بين الدين والسياسة.

كان يعيش بين رعاياه يقاسمهم الآلام والآمال لأنه كان أقرب إلى روح الأناجيل من مواطنه الشهير. وعندما اقتنع بتقصير الكنيسة المتعمّد وبأن المظالم الإجتماعية تلقى تسامحا من البابوية ومن الأسقفيات، رفض الاستمرار في الخضوع للتوجيهات البابوية وأصبحت علامات انشقاقه جليّة. لقد تعرض لحرم الكنيسة وامتحان الكنيسة والملكيّة ولكنه تعزّى عن ذلك بأن نفث في انتفاضة مواطنيه قوة روحية اضطرت روما إلى أن تواجه مسؤولياتها.
كان ذلك هو أصل نضال الـسيركونسيليون ضد التعسّف الروماني.

وهكذا شهد المرء البربر، وثنيين ومسيحيين، وقد تصدّوا في حميّة، جنبا إلى جنب ودفاعا عن حريّاتهم،لكنيسة لم تتردد، أخذًا منها بالاستعباد وسيلة للهيمنة(2)، في الاقتران بإمبراطورية متداعية. فمنذ القرن الرابع كان دونات يجيب الكردينال لا فيجري، أسقف قرطاج ذاتها الامتثالي (3) الذي سيعرض أطروحاته المتهوّرة، على الرغم من أنه كان يعرف أنه لا يمكن أن يوجد توافق بين الأطروحات الروحية في رسالة دينية ونقيضاتها البرغماتية في إمبريالية أيّامنا هذه. أما الغزو الوندالي الذي اقتصر على موريتانيا القيصرية فلم يشدّ إليه انتباه أجداد إدريس كثيرا. وكذلك كان شأن السّيطرة البيزنطية. ففي أعين البربر كان الرومان والجرمان واليونان سواء. وجبليّ الأطلس لم يكن يهمّه أن ينفذ إلى ما يميز الشريف الروماني من بارون جنسيريك أو من قاضي جوستينيان إذ أن كل هؤلاء لا يمثلون، بالنسبة إليه، غير آفة لا تقل ضررا عن اجتياح الجراد الذي كان ينقضّ، دوريّا، على حقوله وسهوله. إنه يعرف، وهو الضحية الأبدية لهذه الغزوات الأجنبية، فتكها الذّريع.

لقد كانت أخلاق الإمبراطورية الرومانية المسيحية وإفلاس المسيحية وفجر عصر وسيط غامض رأت فيه الشعوب نفسها تردّ، رغما عن صليب حاكم نظريا، إلى عصر غزوات الأقوام الرحّل والنّهب المنظّم، كل ذلك كان ينذر بتغيير جديد ما في الأفق.

كانت الدّعارة في بيزنطة تدثّر كتفي تيودورا العاريتين بالأرجوان الإمبراطوري وكان الخصيان يحرسون شوارع القصور ومداخل الكاتيدرائيات.
ولقد تحوّل الإيمان إلى مناظرات مثيرة للسخرية وانتهى ما تبقى من ثقافة كلاسيكية إلى مجادلات طويلة عديمة الفائدة حول طبيعة الملائكة وأشكال العرش الإلهي.

كان الواحد ينهب ويسرق ويكيد و يقتل ويسمّم ويسجن وينفي ثم يلقى رداء من تسامح على كل هذه الفظائع تزكّيه، تواطؤا، مجامع الكرادلة والمجامع الدينية.

ولقد تخطت أفريقيا عتبة القرن السابع وهي في توجّس من نذير بمثل هذه القتامة. تردّدت أخبار مدوّية عبر الشرق تنبئ بتحولات آتية.وكشّرت الشعوب الخاضعة لوصاية قيصر بيزنطة عن أنيابها. والجماهير المستعبدة في الإمبراطورية اجتهدت، وهي ترى الكنيسة في عجز عن الوفاء بالتزاماتها، في أن تتبيّن، في كلّ انتفاضة، الأمارة الحاسمة على إمكانية تحرّر.

ولقد كان راع في قلب الجزيرة العربية يعلن، تماما مثل الجليليّ ذي الروح السامية ،منذ وقت قريب، عن مجيء عصر ينبني على العدالة الاجتماعية وعلى المساواة بين الشعوب والأعراق. إنه ميلاد الإسلام. وكان محمد، رسول الله، بعد أن خاض معركة ضارية ضدّ الآخذين بالوثنية العربية القديمة، يقيم النظام الإسلامي في الجزيرة ويصدر تعليماته إلى أنصاره كي يواصلوا، عبر العالم، الرسالة المخلّصة التي أقام مقدّماتها بنفسه. وفي أقل من عشرين سنة تهاوت الإمبراطوريتان العظميان اللتان سادتا قبل ذلك. وبدأ الإسلام، بعد أن تجاوز نطاق الجزيرة، ينتشر، في سباق سريع، عبر آسيا وأفريقيا وأوربا. وفي هذه المرة، كان الدّين من سبكة سامية شرقية لم يشوّهها جدل الرهبان البيزنطيين الضبابي. كان ،لبساطته ولنبوغ تَشَكّلَ قياسا إلى الذهنية الشعبية، يعلن، بوضوح، عن مبادئه، خارجا من هذا الهامش من الأسرار الذي سيغلّف الإسلام، فيما بعد، بغلاف سميك من الشعائر والنّحل الموروثة عن عقائد باطنية.

كان على الإسلام، إذن، أن يحظى، في بلاد البربر، بتعاطف مسبق. ومع ذلك فإن الأمر لم يكن، كليّا، كذلك، إذ حالت دونه، في البداية، أسباب قاهرة.وكان على السّيف أن يتدخّل في الأمر. كان البربر يحيون حياة بسيطة أبوية. وفي ما وراء الأهداب الساحلية أو حول بعض حصون الداخل حيث مازالت تخفق الراية البيزنطية لا تكاد تظهر حتى نزعات غامضة إلى السلطة الإقطاعية. فبلاد البربر كانت تتوارى في غبار من الجمهوريات الصغيرة القبلية. ولم يكن الأمغار، بالضرورة، رئيسا وراثيا يختص بنفوذ لا يقبل المنازعة.لقد كان، وهو الذي يعيّن مندوبا عليهم ما بقي يحظى بثقتهم، قابلا لأن يقاضى. وإذا ما حدث، في حالة خلاف، أن تملّكته فكرة إبداء هنية من المقاومة، فإن السّيف يصبح، عندئذ، هو الفيصل. وإذّاك يتغلب عموما قانون القبيلة على الدوافع الفردية.

كانت هذه الديمقراطية المساواتيّة العاتية تحدّد الحياة الإجتماعية البربرية وتسمّرها في وضع فوضى لا مزيد عليها عندما ظهرت الطلائع العربية في أفق سيرت.

لم يكن أجداد إدريس يعرفون عن الإسلام شيئا. ولم تسعفهم غريزتهم التي كان من المفروض أن تحدس في هذا الدين شروط عدالة إسلامية بما فيه الكفاية فتثنيهم عن اللّجوء إلى القرارات الحاسمة. ثم إن اندفاع عقبة لم يكن من شأنه أن يبسّط من معطيات القضية. فباستثناء زناتة صولة بن وزمار الذي رضي بالإسلام من دون تحفّظ زمن الخليفة عثمان، تكتّلت الأغلبية الساحقة من البربر أولا حول كسيلة وبعد ذلك حول الكاهنة. ومن الأوراس إلى الريف لم يتخلّف أحد عن أداء الواجب الذي يفرضه عليه قانون الانتماء الوراثي حتى الموت. دامت الحرب نصف قرن. ولقد أنهاها، بعد أن بدأت مع عمرو، ابن نصير بوصفه قائدا عبقريا مكّنته دبلوماسيته ونظرته البعيدة من أن يفهم كل الفائدة التي يمكن أن يجنيها الفتح الإسلامي من شعب له من البسالة ما لسكان شمال أفريقيا.

بهذا، إذن، أمكن للمرء أن يشهد ملاحم الفرسان في إسبانيا وفي بلاد الغاليين. إن انتصارات الإسلام في أفريقيا الشمالية هي التي حسمت في أمر سمات التركيبة الإثنية والثقافية التي ميّزت ولادة شعب مغربي جديد. فحيث فشل الرومان والإغريق وحيث لم تنجح قرطاج، أيضا، إلا بمقدار تمكن العرب، عن طريق الإسلام، من تحقيق عملية اندماج باهر. لكن علينا ألاّ ننسى أن الإسلام وحده هو الذي انتصر في نهاية المطاف.والبربر، أنفسهم، أسهموا في هذا البناء: المرابطون والموحدون والمرينيون والأمراء الزناتيون في الفترة التي تلت حكم عبد المؤمن. يحيى الليثي وابن تومرت ومجموعة المؤرخين والكتّاب المغاربة من أصل أمازيغي: المراكشي وابن طفيل وابن بطوطة والأفرني وابن بشكوال والوزّان (ليون الإفريقي) والقبائل الكبيرة من موالي السّلالات المغربية الأولى. لم يكن يوجد معارضون، فالدخول في الوطن القومي الجديد كان، تقريبا، محل رضاء الجميع. وقد سلكت السّلالات والقادة العرب المسلك نفسه. فهم تأفرقوا تماما مثل الفينيقيين. ومن دون أن يفقدوا المزايا الأصلية المميزة لجنسهم أصبحوا مغاربة راسخين خالصين. لقد اندمج أمراء قرطبة والأغالبة والأدارسة والرستميون في تاريخ المغرب اندماج المرابطين والموحّدين. وعندما أسس عبد الرحمان الثالث خلافة المغرب لم يفعل أكثر من تأكيد هذا التقليد.

وهذه أيضا كانت سياسة المنصور. إن سيادة بغداد على تونس زمن زيادة الله بن الأغلب لم تكن إلاّ وهما محضا. وحتى الفاطميون لم يجرؤوا البتّة، رغم أصول مذهبهم الشيعي المشرقية، على الوقوف ضدّ هذا التيار الامتصاصي الذي هو الدّليل الجليّ على قدرة البلد الإدماجية. على أن ثمة عنصرين مقلقين: سياسةُ وُلاة القيروان وفتنة الفهريين في إسبانيا. وكلتاهما تظافرتا على أن تجعلا من الشرق الإسلامي أرضا خاضعة لقانون السّيف.

لقد أنهى مجيء عبد الرحمن بن معاوية، في قرطبة، حالة الاضطراب التي تلت سفر ابن نصير وقوّاها جشع الزّمر التي سعت إلى فرض الخوّة على أراضي الإسلام، أي بعبارة أخرى، ارتدّت إلى عادة الابتزاز والغرق في المتع الحسيّة التي خنقها محمد في مكة ومكّن عجز الخليفة عثمان وشحّة نظر الخليفة عليّ السياسيّة، معاويةََ ومروانَ من بعثها منذ أن فاءت الراية البيضاء. كانت هذه السياسة، في المغرب، السبب الحاسم في اندلاع تمرد الخوارج الكبير في القرن الثامن.

لقد سبق أن أسلم أجداد إدريس عندما أعدّ طارق حملته الشهيرة على إسبانيا. وبعد أن شارك البربر في النضال من أجل استقلال بلدهم مثلما فعلوا وسيفعلون دائما، انخرطوا بكثافة في الكتائب التي كان ابن نصير يعدّها بغية الزحف على بيزنطة تمهيدا لاجتياح إيبيريا وتَوَقّلِ جبال البيريني.

لقد تحولت بنية أفريقيا الشمالية العرقيّة على إثر تأسلم شعوبها وتعرضت هيئة توزيع القبائل لتغييرات عميقة نتيجة توافد العرب. وسيتواصل، هكذا، وفي نسق متنام، وحتى مجيء حشود بني هلال، التمازج العربي البربري على النحو الذي رسمته المدوّنات الخلد ونية تقريبا.

ينقسم شمال مراكش، بلد إدريس، إلى جزئين كبيرين من البربر البرانس :جزء صنهاجة الذي يسكن شريط شبه الجزيرة الغربي إلى حدود أرباض فاس حيث يختلط بمصمودة وبكتامة وجزء غمارة الذي يشمل مجال سكناه المناطق الشرقية من تطوان إلى وجدة ويتخلّله، في الجنوب، عدد من العناصر الزناتية البتر.

أما الريف فهو غماريّ. هذه التقسيمات ما تزال قائمة إلى أيامنا هذه. ولكن بنية الجبل تغيرت تغيرا جذريا .وكان على طريقة عيش أجداد إدريس وحسهم أن يتغيّرا هما بدورهما نتيجة هذا التشابك.

هذا التغير اقترن، قبل كل شيء، بظاهرة تعريب جزئي. ذلك أنه عندما اندفع “العر-بر” (1) نحو أوروبا، كان المدد القادم من المغرب والمشرق يسلك طريقا وحيدة. فكان الجنود والمستوطنون المسلمون يسلكون، انطلاقا من مجاز وجدة- تازة، إما الطريق الساحلية متشعِّبين شرقا نحو تيزران، وإما سبحة الدروب الضيقة التي تتشرّج عبر المرتفعات الدّغليّة بمحاذاة جبال الشمال حتى مرافئ الشحن التي هيأها موسى على منحدر المضيق الشمالي: طنجة والقصر الصغير وسبتة.

لقد عبرت هذا الممرّ، من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر، أدفاق بشرية متصلة فكان هو الطريق الوحيدة التي تصل، إذاك، بيتيكا القديمة بالقارة الأفريقية فأصبح، لموقعه الاستراتيجي والتجاري، نوعا من ملتقى طرق وشريان حيويّ نمّت فيه الحياة عن نشاط جدّ كثيف. لقد كانت أعمدة هرقل تقفله من جبل كالبي في الجنوب إلى جبل أبيلا في الشمال أو، إن شئنا، من جبل موسى إلى جبل طارق. وعلى أية حال لم يكن الممرّ واسعا إلى درجة تمنعه من الحدّ من أهمية التجارة البحرية والسماح للجبل بالانتفاع بموقعه الجديد.

وبما أن مقتضيات الاقتصاد والاتّصالات المتولّدة عن الفتح تهيّء الفرد للتعرض لإغراء الثقافة الأقوى فإن الجبل تعرّب باكرا في حين بقي الريف المجاور بسبب بعده، نسبيا، عن طرق المواصلات، بربريا أساسا.

هذا الفاصل اللغوي مايزال موجودا. فمن خطّ يرسمه مصبّ الأورينقا وجزيرة فيليز الصغيرة في غمارة إلى منخفض الـبورد تتحدث اليوم قبائل منحدرة من أرومة واحدة بألسنة مختلفة. إن العربية تنتهي عند وادي سوادا الذي تبدأ منه التْمَاِزيغْت التي تنتهي بدورها عند الحدود الجزائرية بين ندرومة ووجده.
أما بقية شمال أفريقيا فهي لم تتعرّب إلا بعد الحملة الهلالية وخاصة بعد عملية الإدماج التي اضطلعت بها سلالتا الخلافتين البربريتين المرابطية والموحدية.

*

* *

كان أجداد إدريس إلى جانب طارق والغافقي في كاسيريس و بواتيي. والكثيرون منهم غطّوا بأجسادهم طريق الانتصار التي تقدّمت بالإسلام من سهول الأندلس إلى أغياض لاتورين وأنجو. لقد أدّوا، ببسالة، واجبهم تحت الرايات المحمدية بمقدار ما اشتهر أجدادهم في كـــان وترازيمين. ثم إنهم تراجعوا مع الإسلام من ضفاف لالوار إلى مناطق بيرن وفيما بعد اجتازوا البيريني ثانية واستقرّ جزء منهم في قرطبة في حين عبر الجزء الآخر من جديد المضيق وعاد إلى بلده الأصلي بين بوهاشم و تيزران. إن تاريخ المغرب سيتعاقب، منذئذ، في غير انتظام. لقد سبب سقوط خلافة دمشق في أفريقيا، سقوط عمّال القيروان وتراخت الروابط السياسية بالمشرق قبل أن تنقطع. وتحضّر المغرب سريعا في ظل سلالتيه الأوليين وفي ظل رستميي تيهرت وتهذّبت الأخلاق وأصبح المهاجَم الأبدي، بدوره، مهاجِمًا. لقد احتلت جزر المتوسط ووقع اجتياح فرنسا وإيطاليا. وكان على روما، وقد انقضّت عليها الجيوش الأغلبية، أن تدفع ضريبتها الأولى. ودخل الفاطميون حلبة الصراع. لقد وحّدوا أفريقيا الشماليّة تحت اللواء الأخضر. ولكن ملكهم لم يميّزه أي عمل على نطاق واسع. وعلى الرغم من أنهم كانوا خصوما لأمويي إسبانيا، فقد حافظوا، بصرامة، على وحدة المغرب وطابعه الاستقلالي. ولم يتمخض تشيّعهم عن أي تأثير جدّي في نفوس سكان متشبّعين بالروح الفردية إلى حدّ يحول دون شغفهم بعقائد باطنية. إن روح أتباع عليّ الرجعية نسبيا ما كانت، إجمالا، بقادرة على أن تجد بين قبائل أفريقيا الشمالية أرضا ملائمة لازدهارها مثلما كان الشأن في فارس وبلاد الرافدين. ولذلك كان على خلفاء المهدي أن ينتقلوا إلى موضع آخر يحاولون فيه أن يلقنوا مؤمنين بإلاه واحد أسرار التجسيد والتقمّص وأن يخوّلوا أنفسهم حقوقا في التّأليه مُشْبهين في ذلك أباطرة رومانيين بسيطين.

ومع ذلك فإن من المبالغ فيه أن يدّعي المرء أن ملك أبناء فاطمة لم يخلّف وراءه أي أثر في أخلاق البلاد. ذلك أن الطرقية وتكاثر سلاسل النّسب الشريفيّة المزيفة تدل حقّ الدّلالة على الرّغم من مرور ألف عام، على أن روح الدجل التي بثّت بمقادير كبيرة لم تختف تمامًا.

لقد كان نقل مقر الخلافة إلى القاهرة بداية غروب النفوذ الفاطمي. فلم تصمد بعده العقائد الشيعية. وطغى المذهب السني ذو الطقس المالكي على أفريقيا الشمالية. لقد كانت صرامة شروح إمام المدينة تلائم، بما فيه الكفاية، أفريقيا. وفي إسبانيا سرعان ما أزاح هذا المذهب مذهب الأوزاعي. لقد أصبح الصنهاجيون، نتيجة ردة فعل سياسيّة، زعماء هذا المذهب. ولقد نشره سَحنون ولكنه لن يتجذّر في البلاد إلا بعد أن أسس عمر بن ياسين الرباط المرابطي على أساس من مسلّمات المذهب المديني.

إن المالكيّة بقدر ما كانت سابقا في إسبانيا، أصبحت اليوم طقس الشمال أفريقيّين الوطني بلا منازع. فباستثناء عدد من جيوب الخوارج المحصورة في ميزاب أو على حدود طرابلس وعدد من أقسام المدينيّين ذوي الأصل التركي المقيمين في الجزائر وفي تونس الآخذين بالحنفيّة الماتريديّة، يقول المغرب جميعه بالعقيدة المستمدة من الموطّإ.

إن انتقال الفاطميين والانتفاضة الصنهاجيّة حددّا فصلا رئيسيا في التاريخ المغربي. ثم جاء الاجتياح الهلالي. ولقد كتب ابن خلدون عن هذا النزوح صفحات لامعة. لقد أرسل الخليفة المستنصر على شمال أفريقيا قبائل عربية كاملة تنحدر من عدنان(1)كانت تخيّم في مصر العليا (2) وتزعج حياتها المشاغبة الخليفة المستنصر. كان ذلك في القرن الحادي عشر فاجتاز الهلاليّون والسّلميّون (3)في قوافل متراصة تصطحبها النساء والأطفال و الدوابّ والعبيد الصحراء اللّيبية وتوجهوا نحو تونس والجزائر حيث استقرّ أغلبهم في الوقت الذي تقدمت فيه بسرعة قبائل أخرى نحو شرق مراكش ووسطها.

هذه القبائل من زغبة وجشم و المعقل والثعالبة وبَرَاز والهمامة انسابت في ضواحي فاس وفي مدن السّاحل الأطلنطي واختلطت فيما بعد بالقبائل البربرية المنحدرة من صنهاجة ومكناسة ومصمودة ومغراوه وإفرن فعجّلت بتعريبها.وقد صعد عدد من أقسامها شمالا فامتصّهم لاحقا سكان الجبل. وعندئذ اتّخذ الامتزاج نسقا متسارعا.

إن المغرب عرف، بعد هذا التاريخ، ملحمته بمجيء المرابطين والموحدين وامتزجت الأمجاد العسكرية بفتوحات فكرية ضمن حضارة لا مثيل لها. هكذا اكتسب البلد شخصيته الكاملة. لقد بلغ المغرب مع ابن تاشفين (1)وعبد المؤمن (2)أوج عظمته وتبلور الوعي الوطني باطّراد على الرغم من ترسّبات الكتل القبليّة. لقد ازدهرت العلوم والفنون من ضفّتي التاج إلى وادي السْبُو ومجردة. في البداية كان الرباط هو الذي انتصر.

لقد هرع المرابطون بعد أن حققوا الوحدة المغربية، زمن حكم يوسف العادل، إلى نجدة إخوانهم في ما وراء المضيق عندما استغاث بهم أمراء إسبانيا الذين ضيّق الخناق عليهم جند قشتالة وفي مقدمته شخصية السيد كامبيادور المشؤومة. فتطوّع أجداد إدريس ممن مكثوا في أفريقيا للمرة الثالثة في صفوف الجيش واجتازوا ساعد البحر ونزلوا في إسبانيا وألحقوا الهزيمة في خلنج سيمانكاس (الزلاقة عند الإخباريين العرب)، بالملك ألفونس. وفي الآن نفسه ثبطوا حماسة الحملة الصليبية التي استظلت بالقديس جاك دي كومبوستيل. لقد ناضل أجداد إدريس في الجبل وكتائب مشاة الأطلس ومتطوعو البوكسيراس، جنبا إلى جنب، في الوقت الذي كان فيه أبناء عمومتهم في غرناطة يحملون خلف أمير اشبيلية، المعتمد، على سرايا ملك قشتالة المدرعة.

ولقد دارت عجلة التاريخ فاختفى المرابطون بدورهم مفسحين المجال للموحّدين المصامدة وظهرت، عوضا عن علم تفسير تشتم منه رائحة هرطقات الانحرافات الكلامية المغالية بتأثير يكاد يكون إيقونيا من الآخذين بالتجسيم، أي من هؤلاء الملثّمين الغريبين، عقيدة تستلهم الإسلام الأول. وعلى هذا النحو تمكنت أفكار ابن تومرت التوحيدية من المغرب.

لقد أكمل ابن تومرت، مع ابن رشد وابن خلدون، الثالوث الأروع الذي سيرى فيه إدريس مركز تاريخ بلده وحضارته ورمزه. فلقد اعتمد إدريس هذا الثالوث مثالا يحتذى. وكان غالبا ما يأسف، عندما يثيره عقله الجسّاس على شيوخ القرويين عديمي الجدوى المتحذلقين الذين يلقون جزافا، بعد قرون من هذا الثالوث، بمفاهيم كلامية عفّاها الزمن وغاب منها كل مضمون عقلي كان إدريس غالبا ما يأسف أن يكون أمثال هؤلاء الصقور قد حلّقوا فوق الأطلس من دون أن يسقطوا أيّ بذرة. أما في عبد المؤمن وفي الخلافة الموحّديّة فسيتبيّن المستوى الباهر لخصال جنسه الخلاق. إن عصر المغرب الذهبي، عندما كانت قرطبة في بالغ ألقها، سيكون له الأثر الأكبر نفعا في إدريس. ولسوف يقارن، عندما يحين الوقت، بين هذا القرن المبارك وقرون بيريكليس والمأمون ولويس الرابع عشر، محافظا على إعجاب بالعلوم الإنسانية ليس في إمكان أيّة فكرة مسبقة أن تضعفه. إن إدريس سيتبيّن في الإمبراطوريّة الموحديّة التي تشير إلى أوج المغرب، حصيلة القوى الحَـِريّة بأن تكون قاعدة ومثالا للقومية المغربية: الوحدة العقدية (وهذا أمر لم يعد ضروريا بعد انتصار الإسلام) والوحدة القومية. وعلى هامش هذا التأثير المتبادل، الازدهار الفكري الذي يرسّخ بناء الأمة ويمكنه من أسس صلبة.

لقد حكمت الممالك الزناتيّة التي انبثقت من رماد الخلافة المؤمنيّة بعد ذلك شمال أفريقيا مدفوعة بنزعات إقليمية تمكن مقارنتها بالطائفيّة الأندلسيّة. ومع ذلك فإن المرينيين والزيانيين والحفصيين لم ينقطعوا، حتى وهم يضعفون الأمّة ويمهدون الطريق لاستعبادها في المستقبل بتجزئة مجالها قبل الأوان، عن مواصلة تنمية دور الحضارة الإنسانية الموريسكيّة في أفريقيا. وهكذا عرفت فاس وتلمسان وتونس عصرها البهيّ وأصبحت مراكز ثقافة لا تقل في شيء عن ثقافة بغداد ولا عن ثقافة قرطبة. وماذا كان يوجد آنذاك في فرنسا؟

لا شيء تقريبا.

إن القوم مازالوا عند رواية الوردة (1) هذه التي شرع فيها غيليوم دي نوريس وانتهى الأمر بـجان دي مونق إلى إتمامها. إذّاك لم يكن قد مرّ غير وقت غاية في القصر على وضع فيلهاردوان وجوانفيل مخططي الوقائع. أما فيّون فإنه لم يولد بعد. وفي الميدان العسكري أبان تاريخان هامان عن هذه الفترة: انكسار الحملة الصليبية الثامنة على أسوار تونس وهو انكسار أنقذ أفريقيا الشمالية من خطر قاتل ونكبة الإسلام في إسبانيا. لقد سقطت غرناطة، آخر قلعة محمدية، وقد تخلى عنها الجميع وذلك في زمن كانت فيه مراكب كولومب السريعة ذات الصواري الثلاث أو الأربع ترسو في الأرض الجديدة وعلم الصليب يصوّت فوق كَوَاثِلِهَا.

غادر بنو عمومة إدريس، بدورهم، قرطبة بعد أن دفع عدد منهم للمدينة ضريبة الدم التي لا جدال فيها. لقد شنّوا آخر غارة لهم إلى جانب موسى بن أبي الغزّان حتى يتيحوا للتعيس أبي عبد الله أن ينسحب إلى الساحل لينتظر هناك، وهو يفحص بلا جدوى أمواج البحر، المدد الذي وعدت به فاس واسطنبول.لقد كان ذلك جهدا بلا طائل: فالمدينة استسلمت وأغلب أقرباء إدريس الإسبانيين عبروا المضيق للمرة الأخيرة. ولقد استقرّ عدد منهم قرب طنجة وهاجر آخرون إلى ما هو أضرب في الغرب، نحو الـبورقراق. وسلك عدد آخر منهم، من جديد، الطريق إلى تيزران حيث انصهروا، من جديد، في وطن الأجداد. كانوا، جميعهم، على ما تقول الأسطورة، يحملون، في أمتعتهم مفاتيح بيوتهم الأندلسية، على أمل أن يعودوا إليها في يوم من الأيام.

عقب تصفية السيطرة الإسلامية في إسبانيا، عن كثب، غزو المسيحية أفريقيا .كانت وصايا إيزابيل تعرض، على غرار أمر مطلق، مُسَلَّمَة حملة صليبية جديدة وضّحتها محكمة التفتيش بواسطة أمثال سيسنيروس وتوركيمادا في دعوات بدت شبيهة بالأحكام القاطعة. وفي الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تتدثر بثوب من الصرامة الرهبانية وتُسَيَّف أُخَوِياتها مثل فرسان القديس يوحنا، كان الإسلام، في أفريقيا، يتعرض للهجوم في عقر مَحْـِرِزه .فوقع الاستيلاء على سبتة ومليلة وفيليز والحسيماء والجزر الجعفرية، ورفع الصليب، في أعلى كل قلعة، على ِوضْعَة لا شيء فيها من الرسولية.

وتعرّضت وهران والجزائر وتونس لعمليات إنزال صاحبتها محاولات احتلال لم تثمر، لحسن الحظ. لقد نجا الإسلام في وسط المغرب وشرقه، في الوقت المناسب، بفضل تدخل العثمانيين فطرد باربروس الإسبانيين من تلمسان والجزائر وأتمّ القراصنة، فيما بعد، ما تبقى(1) في مرّاكش، آذن التخلي عن قرطبة برحيل المرينيّين .ذلك أن إهمالهم حطّ من قدرهم في عيني الأمة حطّا لم يستطيعوا معه أن يعيشوا في حالة العار هذه طويلا خاصة أن البرتغاليين نزلوا على الساحل الأطلنطي، مستغلّين هذا التغيير السريع في الوضع، واحتلوا طنجة وأصيلا والعريش والرباط وموغادور في الوقت الذي اجتهدوا فيه، عبر وادي لوكوس، في الاستيلاء، من الوراء، على فاس وتحويل مراكش إلى جزء من هذه البلاد الأفريقية المسيحية التي طالما حلم بها معرّفو الملوك الكاتوليك.

في هذا الوقت ظهر السعديون بدورهم. وسيكون بلد إدريس، هذه المرّة، الشاهد الفعّال على حرب تحريرية. وفعلا فإنه ،وفي سفح الجبل وفي هذا الموضع الذي يخترق فيه وادي لوكوس مدينة الكازار أي في ضواحي هذه القصبة حيث تمتزج، مثل ما هو الأمر في كل امتزاج موفّق، كــلّ تناقضات الشخصيّة المراكشيّة أي الجبلية والسهلية والمدينية، وبين تجاعيد المنحدرات حيث تمتد أدغال الناردين في وادي المخازن، تبارز الإسلام والمسيحية في مبارزة قصوى.

هنا تقرّر مصير أفريقيا الشماليّة، كلّها، في ظرف ساعات ولحقت بأوروبا هزيمة فظيعة. فسقط ملك البرتغال سيباستيان وأغلب فرسانه قتلى. كان فيهم برتغاليون وإسبانيون وألمانيون وفرنسيون وإيطاليون. ولكن لا أحد منهم نجا. ومن تحاشى الموت منهم وقع في الأسر ووجّه نحو المدن الداخلية. وهكذا اتجه كونتات إسبانيون وبارونات ألمانيون وفرسان فرنسيون، خاضعين، إلى فاس.

لقد مات السلطان عبد الملك، مؤسس السلالة السّعدية أول أيام الحرب. ولكن وقع، دفعا لخور ممكن، التكتّم على خبر موته في البداية. وبما أن خبر مرضه كان معروفا فقد حمل جسده في سرادق أسدلت عليه الستائر جال ميدان القتال من أوّله إلى آخره وكان القصد من ذلك هو أن ينعش حضوره المحاربين الملتحمين، جسما لجسم، بالعدوّ. ولم يقرّر السلطان أحمد الذهبي(1) أن يعلم جنده بموت عمّه إلا عندما ألقت بقايا الجيش البرتغالي بأسلحتها وأوتي بأجساد الملك وأهم أتباعه إليه.

كانت الغنيمة عظيمة.ولكن ما كان أعظم منها هو الانفراج الذي رافق هذا النصر. وقد سارع العدو، فورا، إلى الجلاء عن تراب المغرب باستثناء هذا العدد من الحصون التي احتفظت بها إسبانيا منذ ذلك الحين على الساحل الشمالي.

عاد أجداد إدريس إلى حيث كانوا، محمّلين بغنائم من كل نوع وفيها مناجل تتدلّى في أعجازهم أنجزت، لأن المحاربين الجبليين أجادوا استعمالها، عملا شاقّا أثناء المعركة. إن مفاتيح المدن الأندلسية ومناجل الكازار وموت السلطان عبد الملك الدرامي شيئا ما، هذه هي المواضيع الأثيرة التي هدهدت طفولة إدريس والتي كان أبوه الذي يعرف تاريخ المغرب مثلما روته أناشيد البطولة، يحكيها له في كل مرة يبدي فيها شيئا من الوداعة.
لقد رأى إدريس من هذه المفاتيح والمناجل العشرات في بيت والديه. المفاتيح خاصة. وهي غليظة وغاية في الثقل. كان عدد منها ماهر الصنعة ولكنه قد يقوم، إذا حتمت المناسبة ذلك، مقام دبوس أو فاقئ عيون. وهناك مفاتيح أخرى، وهي أقل جودة تغطيها هي أيضا نقوش تدلّ على ذوق نادر بما فيه الكفاية عند ابن الجبل. غير أن إدريس لم يتمكّن البتّة من أن يقنع نفسه بأصلها التاريخي. وهذا، مع ذلك، لا يفقد الحكاية شيئا من سحرها.

إن تحرير مرّاكش وعبور الصحراء واستعمار بلاد الزنج الذي عقبه تأسيس تومبوكتو كل هذا جدير بأن يكتب بأحرف من ذهب في قائمة المآثر السعدية.أما العصر العلوي فكان عصرا باهتا رتيبا(2). وقد قنع ،لأنه قليل الميل إلى التجديد الاجتماعي والجرأة السياسية، بحياة متجمدة يومية منغلقة لا حميّا فيها ولا ألق. وباستثناء ثلاثة أمراء متميّزين هم سيدي محمد بن عبد الله ومولاي إسماعيل ومولاي الحسن، بدا حكم أفراد هذه السلالة شبيها بضوء خافت يلائم هذا النوع من جراثيم التحَلّل التي تنخر حتى الموت الدول والمجتمعات. وقد عرفت مراكش، أثناء حكمهم، عصر انحطاط تُلـِزمُ إزالتُه ،عموما ،باللجوء إلى الوسائل الحاسمة. ومع ذلك فهم لم يكونوا، هم وحدهم المسؤولين عن هذا الأذى إذ كان المرض يجاوز حدود قدراتهم. وفضلا عن ذلك فإن مشهد بلاد المشرق المتفسّخ، يدفع المؤرخ إلى النظرة إليهم بكثير من التسامح. هذا العصر كان هو العصر الذي استشرت فيه قوى الشرّ أي هذه الأخويّات المزعومة مثلما يكون الشأن في أرض مفضّلة فانحطّت أخلاق البلد ومعنويّاته وعكست الفضائل والنقائص والعيوب والخصال أدوارها وارتخى عنان الشعوذة التي كانت تترصّد أصغر علامة مؤذنة بقرب وقوع المرض وأغمض إشارة حريّة بأن تكشف عن انخِماص صحة البلد لتسرّع مهمتها الإفسادية بل إنه وقع الرفع من شأن الشعوذة ففرخت الحمادشة والعيساوية والهداوة وكذلك قذف الجراثيم فوق دمل في تمام العفونة. كان البعض منهم يستسلم، باسم الإسلام طبعا، للاختلاجات الأكثر غرابة ولأنواع من الشذوذ لا يقدر عليها غير البهلوانات الأكثر خفّة، وكان البعض الآخر يعلّم مريديه، بوحي مما لا يعرف المرء أيّ شرارة إلاهية، كيفية ابتلاع أفاع وعقارب تبّلتها مسامير وكسرات قوارير.أما الثالث فكان ينذر، رافعا قميص يوسف بعد أن انتزعه من زبله الرمزي، نذر قذارة ويوزّع وجوده البئيس بين التسول والفقر المدقع. وعلى هامش هذه الاخوياّت المعدمة تبيع أخويّات أخرى أكثر براغماتية ودهاء الشعب التمائم والسبح وتبيّن له، مثلما كان الآمر زمن صكوك الغفران، الطريق إلى الفردوس. لقد رفع حول مراكش، سور صينيّ فمرّ القرنان الأخيران الطافحان بالأحداث الكونية والدروس بالقرب منها من دون أن يلمساها.

وحتى حكم مولاي الحسن(1)، وهو جدير بالاهتمام في أكثر من جانب، لم يسفر، لسوء الحظّ عن أية نتيجة. لقد حاول، وهو المولى الحازم ذو الخصال الرجولية الذكيّ العادل النشيط، أن يفهم أسباب الداء الذي يشتكي منه وطنه وأن يداويه، على الرغم من زردات شبكة الدسائس الأجنبية والرجعية الضيقة التي ضايقته على نحو يمكّنه من استعادة قوته فاصطدم بعقبات منيعة إذ انعدمت الوسائل المادية الضرورية في مهمة تتطلب نفسا طويلا. ثم إنه كان هناك عقبة أكثر منعة من الوسائل المادية وهي محيط مرّاكش الاجتماعي الذي كان متخلّفا عن عصره إلى درجة أن كل محاولة تحرّر جديّة كان يمكن أن تتسبّب له، بالتأكيد، في متاعب يمكن لمناورات القوى الأجنبية

*
* *

لقد استقر أجداد إدريس الذين تبعوا الغافقي في أوروبا في جنوب اسبانيا، في غرناطة. ولقد مكثوا فيها حتى سنة 1498 وتأثرت بذلك طريقة عيشهم وتحولوا من جبليين إلى مدينيين وتخلوا عن المعزقة والمقضب الصغير ليشتغلوا في المهن اليدوية. وقد شغل عدد منهم وظائف في الإدارة وفي الجيش. وكثير منهم التحقوا بجامعة قرطبة. وقد لعبوا أثناء فترة الطوائف أدوارا عديدة ثانوية في بلاط الباديسيين ثم في بلاط بني الأحمر. ولكن لا أحد منهم، في ما يعرف إدريس ، طفا فوق المستوى العام حتى يمكن للتاريخ أن يحتفظ باسمه. وكل ما أمكن لإدريس أن يحتفظ به من قصص هو أن أقرباء عائلته الغرناطيين وقفوا في صف المنصور في السنة الألف تقريبا وأنهم ساعدوا، عند زوال الأمويين ،العامريين في التنافس على عرش قرطبة. وهذا، على كل حال، لم يكن أمرا غاية في السوء إذ من الأفضل أن يعقب سلالة محتضرة أبناء بطل الإسلامية في أوروبا.

وقد وقفوا، فيما بعد، ضد ابن رشد ولم يبالوا، وهم المخلصون للمذهب المالكي، بالسلفية التومرتية التي تسربت إلى أوروبا بعد الموحّدين. ثم إنهم لم يتردّدوا، تأثرا منهم بخصوم الرشدية، في المساهمة، بدورهم، في حملة الافتراء التي ستعمّم اللعنة التي أصدرها المسجد على فيلسوف إسبانيا الإسلامية الكبير. لقد انقضت الفوضى الطائفية، بدورها، في ما يشبه الظلمة القيامية فسقطت إشبيلية وقرطبة ورأى حي البيّاسين الذي كان مستقر أبناء عمومة إدريس الاسبانيين، طيلة أكثر من قرنين من الزمان، أجيالا تتعاقب في هدوء حياة لا نتوء فيها. وقد انشغل كثير من أبناء العمومة هؤلاء، من البنّائين والرسّامين والنجّارين والفسيفسائيين الذين كانوا فخر مدينة البوكساراس في بناء قصر الحمراء، هذه التحفة الرائعة الخالدة الدال على حضارة بهذا الجمال. فلكأنّ الإسلام ، وهو يعجّل ببناء هذه العجيبة الثامنة من عجائب الدنيا وقد تهجّس بقرب رحيله عن هذه الأرض القديمة النبيلة، كان يريد أن يترك للأجيال القادمة علامة ساطعة على عظمته الماضية.
ثم كان الغروب!

!